المقريزي
88
المقفى الكبير
ثامن ربيع الأوّل . ثمّ كره ذلك جيكويه فاستعدّ حبشيّ ، وأقام كلّ من الفريقين بالجيزة ، والأمير يومئذ بمصر أحمد بن كيغلغ ، والقائم بتدبير الأمور أبو بكر محمد بن عليّ الماذرائيّ . فبينا هم في ذلك إذ أتاهم محمد بن تكين يوم الأحد ثالث عشره ونزل الجيزة مع جند مصر ، وبعث يأمر حبشيّ بطاعته ، فامتنع من ذلك ورجع فيمن معه إلى الصعيد ، ولحق به محمد بن عيسى النوشريّ « 1 » ، وهم على الدعاء لأحمد بن كيغلغ . ثمّ عدّى حبشيّ النيل بأصحابه إلى البرّ الشرقيّ ، ثمّ سارا إلى الفسطاط ، فعسكر محمد بن تكين ببركة المعافر « 2 » فبيّتته طائفة من المغاربة ليلة السبت لثلاث خلون من ربيع الآخر [ سنة 322 ] وقتل من الفريقين جماعة . ثمّ التقوا من الغد ، فانهزمت المغاربة إلى الجيزة ونزلوا بولاق . فعقد محمد بن تكين لجيكويه وأحمد بن بدر السميساطيّ على آلاف من الجند في طلاب حبشي حيث كان . فالتقوا ببلقينة يوم السبت لتسع بقين من جمادى الآخرة [ سنة 322 ] ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم جيكويه وأحمد بن بدر وتبعهم المغاربة فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وعدّوا النيل إلى بلبيس ، فلحق بهم كثير من أصحاب محمد بن تكين وصاروا كلّهم مع أحمد بن كيغلغ ، وفرّ محمّد بن تكين في سادس رجب ثم عاد . فخرج إليه حبشيّ وقاتله فيما بين فاقوس وبلبيس « 3 » ، فهزمه ثمّ أسره وبعثه إلى الفسطاط ، فقدم الخبر بمسير محمد بن طغج من دمشق إلى مصر ، فبعث أحمد بن كيغلغ بحبشيّ فيمن معه إلى الفرما ليمنع محمد بن طغج من المسير . فلمّا هزم صاعد بن الكلملم عليّ بن بدر [ 423 ب ] ، وكفّ أحمد بن كيغلغ عن قتال محمد بن طغج وسلّم إليه مصر ، كره حبشي والمغاربة المقام معه ، فركبوا طريق الشرقيّة ، ومعهم بجكم ، وعلي بن بدر ونظيف النوشري ، وعلي المعدني « 4 » ، ولحقوا بالفيّوم . فخرج إليهم صاعد فقاتله حبشيّ وقتله ، ومضى من الفيّوم إلى الإسكندريّة في جيش فأقام بها ، وبعث عليّ بن بدر وبجكم في المراكب التي غنموها من صاعد بن الكلملم ، فصبحوا الفسطاط أوّل يوم من ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين [ وثلاثمائة ] ، فأرسوا بالجزيرة تجاه الفسطاط ، وكانت الصناعة بها إذ ذاك فشعّثوها ، فركب محمّد بن طغج في عسكره ووقف بحيالهم من غير أن يستطيع دفعهم لما بينه وبينهم من النيل . ثمّ انحدروا من الجزيرة إلى الإسكندريّة آخر النهار ، ولقوا حبشيّ وساروا جميعا إلى برقة ، وكتبوا لصاحب إفريقيّة « 5 » يستأذنونه في القدوم عليه وأن يمدّهم بجيش ليأخذوا له [ 319 ب ] مصر ، فإنّهم يعلمون وجوه الحرب وكيف الوصول إليها . فبينا هم في ذلك مات حبشي في صفر سنة أربع
--> ( 1 ) هو ابن عيسى النوشري الذي كان أمير مصر عند مرور المهديّ بها قاصدا إفريقيّة . ومحمّد هذا ولّاه أحمد بن كيغلغ شرطة مصر سنة 323 ( كتاب الولاة والقضاة 285 ) . ( 2 ) بركة المعافر أو بركة حمير أو بركة الحبش . قال ياقوت : هي وهدة من الأرض واسعة مشرفة على النيل خلف القرافة ، وقال : ليست ببركة للماء وإنّما شبّهت بها . ولكنّ الكندي ( ولاة ، 115 ) قال : إنّ يزيد بن حاتم المهلّبيّ هو الذي ابنتي هذه الفسقيّة لقومه المعافر ، وأجرى إليها الماء . ( 3 ) يضيف الكندي 285 : بموضع يقال له : الطواحين . ( 4 ) في قراءة ناشر كتاب الولاة والقضاة 286 : نظيف الموسويّ ، وعليّ المغربيّ . ( 5 ) صاحب إفريقيّة هو إذ ذاك القائم بأمر اللّه .